ابن أبي الحديد

413

شرح نهج البلاغة

وقال أبو عثمان الجاحظ : وكانوا يسمون من يجاور منهم الناس عامرا ، والجمع عمار ، فإن تعرض للصبيان فهو روح ، فإن خبث وتعرم فهو شيطان ، فإن زاد على ذلك فهو مارد ، فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت ، فإن طهر ولطف وصار خيرا كله فهو ملك ، ويفاضلون بينهم ، ويعتقدون مع كل شاعر شيطانا ، ويسمونهم بأسماء مختلفة قال أبو عثمان وفي النهار ساعات يرى فيها الصغير كبيرا ويوجد لأوساط الفيافي والرمال والحرار مثل الدوي ، وهو طبع ذلك الوقت ، قال ذو الرمة : إذا قال حادينا لترنيم نباه : صه لم يكن إلا دوي المسامع ( 1 ) وقال أبو عثمان أيضا في الذين يذكرون عزيف الجن وتغول الغيلان : إن أثر هذا الامر وابتداء هذا الخيال إن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة ( 2 ) ، ومن انفرد وطال مقامه في البلاد الخلاء استوحش ، ولا سيما مع قلة الاشغال وفقد المذاكرين ، والوحدة لا تقطع أيامها إلا بالتمني والأفكار ، وذلك أحد أسباب الوسواس ( 3 ) . * * * ومن عجائب اعتقادات العرب ومذاهبها اعتقادهم في الديك والغراب والحمامة وساق حر - وهو الهديل - والحية ، فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلقات ، ومنهم من يزعم أنها نوع من الجن ، ويعتقدون أن سهيلا والزهرة الضب والذئب والضبع مسوخ ، ومن أشعارهم في مراكب الجن قول بعضهم في قنفذ رآه ليلا ، فما يعجب الجنان منك عدمتهم * وفى الأسد أفراس لهم ونجائب ( 4 ) أيسرج يربوع ويلجم قنفذ * لقد أعوزتكم ما علمت النجائب ( 5 ) !

--> ( 1 ) ديوانه 360 . ( 2 ) كذا في ا والحيوان ، وفى ب : ( الوحشية ) . ( 3 ) الحيوان 6 : 249 . ( 4 ) الحيوان 6 : 240 . ( 5 ) الحيوان : ( المراكب ) .