ابن أبي الحديد
406
شرح نهج البلاغة
وإنك للجنان في الأرض سيد * ومثلك آوى في الظلام الصعالكا . ومن مذاهبهم أن المسافر إذا خرج من بلده إلى آخر فلا ينبغي له أن يلتفت ، فإنه إذا التفت عاد ، فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود ، قال بعضهم : دع التلفت يا مسعود وارم بها * وجه الهواجر تأمن رجعة البلد . وقال آخر ، أنشده الخالع : عيل صيري بالثعلبية لما * طال ليلي وملني قرنائي كلما سارت المطايا بنا * ميلا تنفست والتفت ورائي هذان البيتان ذكرهما الخالع في هذا الباب ، وعندي إنه لا دلالة فيهما على ما أراد ، لان التلفت في أشعارهم كثير ، ومرادهم به الإبانة والاعراب عن كثرة الشوق ، والتأسف على المفارقة ، وكون الراحل عن المنزل حيث لم يمكنه المقام فيه بجثمانه يتبعه بصره ، ويتزود من رؤيته ، كقول الرضى رحمه الله : ولقد مررت على طلولهم * ورسومهم بيد البلى نهب ( 1 ) فوقفت حتى ضج من لغب * نضوي ولج بعذلي الركب وتلفتت عيني فمذ خفيت * عنى الطلول تلفت القلب . وليس يقصد بالتلفت هاهنا التفاؤل بالرجوع إليها ، لان رسومها قد صارت نهبا ليد البلى ، فأي فائدة في الرجوع إليها ! وإنما يريد ما قدمنا ذكره من الحنين والتذكر لما مضى من أيامه فيها ، وكذلك قول الأول :
--> ( 1 ) ديوانه 1 : 145 .