ابن أبي الحديد
343
شرح نهج البلاغة
جواريك ، هو لك عندي ما أردته ، ثم ضحكت وقالت : والله ما تعلمته إلا من شعرك حيث قلت : أطيب الطيب طيب أم أبان * فار مسك بعنبر مسحوق خلطته بعودها وببان * فهو أحوى على اليدين شريق . وروى أبو قلابة قال : كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف من في الطريق إنه قد مر من طيب ريحه . وروى الحسن بن زيد عن أبيه ، قال : رأيت ابن عباس حين أحرم والغالية على صلعته كأنها الرب . أولم المتوكل في طهر بنيه ، فلما كثر اللعب قال ليحيى بن أكثم : انصرف أيها القاضي ، قال : ولم ؟ قال : لأنهم يريدون أن يخلطوا ، قال : أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا ، فاستظرفه وأمر أن تغلف لحيته ، ففعل ، فقال يحيى : إنا لله ، ضاعت الغالية ، كانت هذه تكفيني دهرا لو دفعت إلى ، فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غاليه ودرج بخور ، فأخذهما وانصرف . وروى عكرمة أن ابن عباس كان يطلى جسده بالمسك ، فإذا مر بالطريق قال الناس : أمر ابن عباس أم المسك ؟ وقال أبو الضحى : رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي . لما بنى عمر بن عبد العزيز على فاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية إلى أن طلعت الشمس . كانت لابن عمر بندقة من مسك يبوكها بين راحتيه فتفوح رائحتها ( 1 ) . كان عمر بن عبد العزيز في أمارته المدينة يجعل المسك بين قدميه ونعله ، فقال فيه الشاعر يمدحه : له نعل لا تطبي الكلب ريحها ( 2 ) * وإن وضعت في مجلس القوم شمت .
--> ( 1 ) يبوكها بين راحتيه ، أي يقلبها . ( 2 ) يطبي : يستميل . والبيت لكثير ، انظر خزانة الأدب 4 : 147 .