ابن أبي الحديد
317
شرح نهج البلاغة
في النفس فقط ليس مما يستحق به ذم لأنه ليس من فعله ، وإنما يذم بالانقياد له ، قال سبحانه : ( ومن يوق شح نفسه ) ( 1 ) ، وقال : ( وأحضرت الأنفس الشح ) ( 2 ) . وقال عليه السلام : لا يجتمع شح وأيمان في قلب أبدا . فأما الجود فإنه محمود على جميع السنة العالم ، ولهذا قيل : كفى بالجود مدحا أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في حمد ، وكفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم . وقيل لحكيم : أي أفعال البشر أشبه بأفعال الباري سبحانه ؟ فقال : الجود . وقال النبي صلى الله عليه وآله : ( الجود شجرة من أشجار الجنة ، من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة ، والبخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار ) . ومن شرف الجود أن الله سبحانه قرن ذكره بالايمان ، ووصف أهله بالفلاح ، والفلاح اسم جامع لسعادة الدارين ، قال سبحانه : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) إلى قوله : ( وأولئك هم المفلحون ) ( 3 ) وقال ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ( 4 ) . وحق للجود بأن يقرن بالايمان ، فلا شئ أخص به وأشد مجانسة له منه ، فإن من صفة المؤمن انشراح الصدر ، كما قال تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) ( 5 ) ، وهذا من صفات الجواد والبخيل ، لان الجواد واسع الصدر ، منشرح مستبشر للانفاق والبذل ، والبخيل قنوط ضيق الصدر ، حرج القلب ممسك . وقال النبي صلى الله عليه وآله : ( وأي داء أدوأ من البخل ) . والبخل على ثلاثة أضرب : بخل الانسان بماله على نفسه ، وبخله بماله على غيره ، وبخله
--> ( 1 ) سورة التغابن 16 . ( 2 ) سورة النساء 128 . ( 3 ) سورة البقرة 3 - 5 . ( 4 ) سورة الحشر 9 . ( 5 ) سورة الأنعام 125 .