ابن أبي الحديد

307

شرح نهج البلاغة

وهذا الكلام ينبغي أن يحمل على إنه حث وحض وتحريض على النهى عن المنكر والامر بالمعروف ، ولا يحمل على ظاهره ، لان الانسان لا يجوز أن يلقى بنفسه إلى التهلكة ، معتمدا على أن الاجل مقدر ، وإن الرزق مقسوم ، وإن الانسان متى غلب على ظنه أن الظالم يقتله ويقيم على ذلك المنكر ، ويضيف إليه منكرا آخر لم يجز له الانكار . فأما كلمة العدل عند الامام الجائر فنحو ما روى أن زيد بن أرقم رأى عبيد الله بن زياد - ويقال بل يزيد بن معاوية - يضرب بقضيب في يده ثنايا الحسين عليه السلام حين حمل إليه رأسه ، فقال له : أيها ! ارفع يدك فطالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلها ! [ فصل في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ] ونحن نذكر خلاصة ما يقوله أصحابنا في النهى عن المنكر ، ونترك الاستقصاء فيه للكتب الكلامية التي هي أولى ببسط القول فيها من هذا الكتاب . قال أصحابنا : الكلام في ذلك يقع من وجوه : منها وجوبه ، ومنها طريق وجوبه ، ومنها كيفية وجوبه ، ومنها شروط حسنة ، ومنها شروط وجوبه ، ومنها كيفية إيقاعه ، ومنها الكلام في الناهي عن المنكر ، ومنها الكلام في النهى عن المنكر . أما وجوبه ، فلا ريب فيه ، لان المنكر قبيح كله ، والقبيح يجب تركه ، فيجب النهى عنه . وأما طريق وجوبه فقد قال الشيخ أبو بني هاشم رحمه الله : إنه لا طريق إلى وجوبه إلا السمع ، وقد أجمع المسلمون على ذلك ، وورد به نص القرآن في غير موضع .