ابن أبي الحديد

299

شرح نهج البلاغة

( 375 ) الأصل : يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه ، ومن الاسلام إلا اسمه ، مساجدهم يومئذ عامرة من البناء : خراب من الهدى ، سكانها وعمارها شر أهل الأرض ، منهم تخرج الفتنة ، وإليهم تأوى الخطيئة ، يردون من شذ عنها فيها ، ويسوقون من تأخر عنها إليها ، يقول الله سبحانه فبي حلفت ، لأبعثن على أولئك فتنة أترك الحليم فيها حيران ، وقد فعل ، ونحن نستقيل الله عثرة الغفلة . الشرح : هذه صفة حال أهل الضلال والفسق والرياء من هذه الأمة ، ألا تراه يقول : سكانها وعمارها ، يعنى سكان المساجد ، وعمار المساجد شر أهل الأرض ، لأنهم أهل ضلالة كمن يسكن المساجد الان ممن يعتقد التجسم والتشبيه والصورة والنزول والصعود والأعضاء والجوارح ، ومن يقول بالقدر يضيف فعل الكفر والجهل والقبيح إلى الله تعالى ، فكل هؤلاء أهل فتنة ، يردون من خرج منها إليها ، ويسوقون من لم يدخل فيها إليها أيضا . ثم قال حاكيا عن الله تعالى : إنه حلف بنفسه ليبعثن على أولئك فتنة ، يعنى استئصالا وسيفا حاصدا يترك الحليم أي العاقل اللبيب فيها حيران لا يعلم كيف وجه خلاصه . ثم قال عليه السلام : وقد فعل . وينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيام خلافته ، لأنها كانت أيام السيف المسلط على أهل الضلال من المسلمين ، وكذلك ما بعثه الله تعالى على بنى أمية وأتباعهم من سيوف بنى بني هاشم بعد انتقاله عليه السلام .