ابن أبي الحديد

294

شرح نهج البلاغة

فلان ، منعت من الكلام فلا تنطق ، وختم على لسانك فلا ينطبق ، ثم حل بك القضاء ، وانتزعت روحك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ذلك إخوانك ، وأحضرت أكفانك ، فغسلوك وكفنوك ، ثم حملوك فدفنوك ، فانقطع عوادك ، واستراح حسادك ، وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك . وقال بعض الزهاد لبعض الملوك : إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها ، وأعطى حاجته منها ، لأنه يتوقع آفة تغدو على ماله فتجتاحه ، وعلى جمعه فتفرقه أو تأتى على سلطانه فتهدمه من القواعد ، أو تدب إلى جسمه فتسقمه ، أو تفجعه بشئ هو ضنين به من أحبابه ، فالدنيا الأحق بالذم ، وهي الآخذة ما تعطى ، الراجعة فيما تهب ، فبينا هي تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره ، وبينا هي تبكي له إذ أبكت عليه ، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطت كفها إليه بالاسترجاع والاسترداد ، تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره في التراب غدا ، سواء عليها ذهاب من ذهب وبقاء من بقي ، تجد في الباقي من الذاهب خلفا ، وترضى بكل من كل بدلا . وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد ، فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة ، وإنما أنزل إليها عقوبة فاحذرها فإن الزاد منها ربحها ، والغنى منها فقرها ، لها في كل حين قتيل ، تذل من أعزها ، وتفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه ، فكن فيها كالمداوي جراحه ، يحمى قليلا مخافة ما يكرهه طويلا ، ويصبر على شدة الدواء ، مخافة طول البلاء ، فاحذر هذه الدنيا الغدارة المكارة ، الختالة الخداعة ، التي قد تزينت بخدعها ، وفتنت بغرورها ، وتحلت بآمالها ، وتشرفت لخطابها ، فأصبحت بينهم كالعروس تجلى على بعلها ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الاخر بالأول مزدجر ، ولا العارف بالله حين أخبره عنها مدكر ، فمن عاشق لها قد