ابن أبي الحديد

187

شرح نهج البلاغة

حتى تأخذ حلمك - يعنى تتغذى - فإذا أخذت حلمك فلا تزدد إليه حلما ، فإن الكثرة تئول إلى قلة . وفى الحديث المرفوع : ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطن ، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه ، وأما إذا أبيت فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس . وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله : ( من قل طعمه ، صح بطنه ، وصفا قلبه ، ومن كثر طعمه ، سقم بطنه وقسا قلبه ) ، وعنه صلى الله عليه وآله : ( لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فان القلب يموت بهما ، كالزرع يموت إذا أكثر عليه الماء ) . وروى عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : أكلت يوما ثريدا ولحما سمينا ، ثم أتيت رسول الله وأنا أتجشأ ، فقال : أحبس جشأك أبا جحيفة ، إن أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الآخرة ، قال : فما أكل أبو جحيفة بعدها ملء بطنه إلى أن قبضه الله . وأكل علي عليه السلام قليلا من تمرد دقل ( 1 ) وشرب عليه ماء ، وأمر يده على بطنه وقال : من أدخله بطنه النار فأبعده الله ، ثم تمثل فإنك مهما تعط بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وكان عليه السلام يفطر في رمضان الذي قتل فيه عند الحسن ليلة ، وعند الحسين ليلة ، وعند عبد الله بن جعفر ليلة ، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث ، فيقال له ، فيقول : إنما هي ليال قلائل ، حتى يأتي أمر الله وأنا خميص البطن ، فضربه ابن ملجم لعنه الله تلك الليلة . وقال الحسن : لقد أدركت أقواما ما يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه ، ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا ، كان يأكل ، فإذا قارب الشبع أمسك . وأنشد المبرد :

--> ( 1 ) التمر الدقل : أردأ التمر .