ابن أبي الحديد

17

شرح نهج البلاغة

( 194 ) الأصل : وقال عليه السلام لما سمع قول الخوارج لا حكم إلا لله ، كلمة حق يراد بها باطل . معنى قوله سبحانه : ( إن الحكم إلا لله ) ( 1 ) ، أي إذا أراد شيئا من أفعال نفسه فلا بد من وقوعه ، بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصول مرادهم إذا أرادوه ، الا ترى ما قبل هذه الكلمة : ( يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم الا لله ) خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من باب واحد ، فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة ، ثم قال لهم : ( وما أغنى عنكم من الله من شئ ) ، أي إذا أراد الله بكم سوءا لم يدفع عنكم ذلك السوء ما أشرت به عليكم من التفرق ، ثم قال : ( إن الحكم إلا لله ) أي ليس حي من الاحياء ينفذ حكمه لا محالة ومراده لما هو من أفعاله إلا الحي القديم وحده ، فهذا هو معنى هذه الكلمة ، وضلت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام موافقته على التحكيم ، وقالوا كيف يحكم وقد قال الله سبحانه : ( إن الحكم إلا لله ) ، فغلطوا لموضع اللفظ المشترك ، وليس هذا الحكم هو ذلك الحكم ، فإذن هي كلمة حق يراد بها باطل ، لأنها حق على المفهوم الأول ، ويريد بها الخوارج نفى كل ما يسمى حكما إذا صدر عن غير الله تعالى ، وذلك باطل ، لان الله تعالى قد أمضى حكم المخلوقين في كثير من الشرائع .

--> ( 1 ) سورة يوسف 67 .