ابن أبي الحديد

157

شرح نهج البلاغة

( 275 ) الأصل : الناس في الدنيا عاملان : عامل في الدنيا للدنيا ، قد شغلته دنياه عن آخرته ، يخشى على من يخلف الفقر ، ويأمنه على نفسه ، فيفنى عمره في منفعة غيره . وعامل عمل في الدنيا لما بعدها ، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل ، فأحرز الحظين معا ، وملك الدارين جميعا ، فأصبح وجيها عند الله ، لا يسأل الله حاجة فيمنعه . الشرح : معنى قوله : ( ويأمنه على نفسه ) ، أي ولا يبالي أن يكون هو فقيرا ، لأنه يعيش عيش الفقراء وإن كان ذا مال ، لكنه يدخر المال لولده فيفنى عمره في منفعة غيره . ويجوز أن يكون معناه إنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيا ، ولكنه لا يأمن الفقر على ولده لأنه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب كما وثق من نفسه ، فلا يزال في الاكتساب والازدياد منه لمنفعة ولده الذي يخاف عليه الفقر بعد موته . فأما العامل في الدنيا لما بعدها فهم أصحاب العبادة ، يأتيهم رزقهم بغير اكتساب ولا كد ، وقد حصلت لهم الآخرة ، فقد حصل لهم الحظان جميعا .