ابن أبي الحديد

150

شرح نهج البلاغة

وقال آخر : السلطان إن أرضيته أتعبك ، وإن أغضبته أعطبك . وكان يقال : إذا كنت مع السلطان فكن حذرا منه عند تقريبه ، كاتما لسره إذا استسرك ، وأمينا على ما ائتمنك ، تشكر له ولا تكلفه الشكر لك ، وتعلمه وكأنك تتعلم منه وتؤدبه وكأنه يؤدبك ، بصيرا بهواه ، مؤثرا لمنفعته ، ذليلا إن ضامك ، راضيا إن أعطاك ، قانعا إن حرمك ، وإلا فابعد منه كل البعد . وقيل لبعض من يخدم السلطان : لا تصحبهم ، فإن مثلهم مثل قدر التنور ، كلما مسه الانسان أسود منه ، فقال : إن كان خارج تلك القدر أسود فداخلها أبيض . وكان يقال أفضل ما عوشر به الملوك قلة الخلاف ، وتخفيف المئونة . وكان يقال : لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقل بما حملوه ، ولا يلحف إذا سألهم ، ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه ، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ، ولا يطغى إذا سلطوه ، ولا يبطر إذا أكرموه . وكان يقال : إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربا ، وإن زادك فزده . وقال أبو حازم : للسلطان كحل يكحل به من يوليه ، فلا يبصر حتى يعزل . وكان يقال لا ينبغي لصاحب السلطان أن يبتدئه بالمسألة عن حاله ، فان ذلك من كلام النوكى ( 1 ) وإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير ؟ فقل : صبح الله الأمير بالكرامة ، وإن أردت أن تقول : كيف يجد الأمير نفسه ؟ فقل : وهب الله الأمير العافية ، ونحو هذا ، فإن المسألة توجب الجواب ، فإن لم يجبك اشتد عليك ، وإن أجابك اشتد عليه . وكان يقال صحبة الملوك بغير أدب كركوب الفلاة بغير ماء .

--> ( 1 ) النوكى : الحمقى .