ابن أبي الحديد
91
شرح نهج البلاغة
والاحتساب لترحل عنك ، وقد أبقت عليك أكثر مما سلبت منك ، ولا تنسها عند رخائك ، فإن تذكرك لها أوقات الرخاء يبعد السوء عن فعلك ، وينفى القساوة عن قلبك ويوزعك حمد الله وتقواه . * * * الفصل الثالث : قوله : " والزهد ثروة " ، وهذا حق ، لان الثروة ما استغنى به الانسان عن الناس ، ولا غناء عنهم كالزهد في دنياهم ، فالزهد على الحقيقة هو الغنى الأكبر . وروى أن عليا ( عليه السلام ) قال لعمر بن الخطاب أول ما ولى الخلافة : إن سرك أن تلحق بصاحبيك فقصر الامل ، وكل دون الشبع ، وارقع القميص واخصف النعل ، واستغن عن الناس بفقرك تلحق بهما . وقف ملك على سقراط وهو في المشرفة قد أسند ظهره إلى جب كان يأوى إليه ، فقال له : سل حاجتك ، فقال : حاجتي أن تتنحى عنى ، فقد منعني ظلك المرفق بالشمس ، فسأله عن الجب ، قال : آوى إليه قال : فإن انكسر الجب لم ينكسر المكان . وكان يقال : الزهد في الدنيا هو الزهد في المحمدة والرياسة ، لا في المطعم والمشرب ، وعند العارفين : الزهد ترك كل شئ يشغلك عن الله . وكان يقال العالم إذا لم يكن زاهدا لكان عقوبة لأهل زمانة ، لأنهم يقولون : لولا أن علمه لم يصوب عنده الزهد لزهد ، فهم يقتدون بزهده في الزهد . الفصل الرابع قوله : " والورع جنة كان يقال : لا عصمة كعصمة الورع والعبادة ، أما الورع فيعصمك من المعاصي ، وأما العبادة فتعصمك من خصمك ، فان عدوك لو رآك قائما تصلى وقد دخل ليقتلك لصد عنك وهابك .