ابن أبي الحديد

72

شرح نهج البلاغة

لا لأنه غير مفهوم ، بل لأنهم ما كانوا يتعاطون فهمه ، إما إجلالا له أو لرسول الله أن يسألوه عنه ، أو يجرونه مجرى الأسماء الشريفة التي إنما يراد منها بركتها لا الإحاطة بمعناها ، فلذلك كثر الاختلاف في القرآن ، وأيضا فإن ناسخه ومنسوخه أكثر من ناسخ السنة ومنسوخها ، وقد كان في الصحابة من يسأل الرسول عن كلمة في القرآن يفسرها له تفسيرا موجزا ، فلا يحصل له كل الفهم ، لما أنزلت آية الكلالة ( 1 ) وقال في آخرها : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) ( 2 ) ، سأله عمر عن الكلالة ما هو ؟ فقال له : يكفيك آية الصيف ، لم يزد على ذلك ، فلم يراجعه عمر وانصرف ، عنه ، فلم يفهم مراده وبقى عمر على ذلك إلى أن مات ، وكان يقول بعد ذلك : اللهم مهما بينت ، فإن عمر لم يتبين ، يشير إلى قوله : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) وكانوا في السنة ومخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة ، فلذلك أوصاه على ( عليه السلام ) أن يحاجهم بالسنة لا بالقرآن . فإن قلت : فهل حاجهم بوصيته ؟ قلت : لا بل حاجهم بالقرآن ، مثل قوله : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) ( 3 ) ومثل قوله في صيد المحرم : يحكم به ذوا عدل منكم ) ( 4 ) ، ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب ، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم . فإن قلت : فما هي السنة التي أمره أن يحاجهم بها ؟ قلت : كان لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ذلك غرض صحيح ، وإليه أشار ، وحوله كان يطوف ويحوم ، وذلك أنه أراد أن يقول لهم : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " على مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " ، وقوله : " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " ، ونحو ذلك من الاخبار التي

--> ( 1 ) يريد قوله تعالى في آخر آية من سورة النساء : " يسألونك عن الكلالة " الخ . ( 2 ) سورة النساء 12 . ( 3 ) سورة النساء 35 . ( 4 ) سورة المائدة 65 .