ابن أبي الحديد
63
شرح نهج البلاغة
وتأذن بفتح الذال ، أي تسمع . قوله ( عليه السلام ) : " إني لموهن رأيي " بالتشديد ، أي إني لائم نفسي ، ومستضعف رأيي في أن جعلتك نظيرا ، أكتب وتجيبني ، وتكتب وأجيبك ، وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك . * * * فإن قلت : فما معنى قوله : " على التردد ؟ " . قلت : أوليس معناه التوقف ، بل معناه الترداد والتكرار ، أي أنا لائم نفسي على أنى أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه . * * * ثم قال : وإنك في مناظرتي ومقاومتي بالأمور التي تحاولها ، والكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة ، أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان ، أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر ، أو ليخطب بأمر في نفسه ، قد بهظه مقامه ذلك ، أي أثقله فهو لا يدرى : هل ينطق بكلام هو له ، أم عليه ! فيتحير ويتبلد ، ويدركه العمى والحصر . قال : وإن كنت لست بذلك الرجل فإنك شبيه به ، أما تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام ، فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين ، ويحارب عليا على الخلافة ، ويقوم في المسلمين مقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما طلب لذلك المنام تأويلا ولا تعبيرا ، ولعده من وساوس الخيال وأضغاث الأحلام ، وكيف وأنى له أن يخطر هذا بباله ، وهو أبعد الخلق منه ! وهذا كما يخطر للنفاط ( 1 ) أن يكون ملكا ، ولا تنظرن إلى نسبه في المناقب بل انظر إلى أن
--> ( 1 ) النفاط : مستخرج النفط ، وهو الزيت . ( 2 ) حاشية ب : " قوله ولا تنظرن في المناقب " ، قال في القاموس ، " النقاب ، بالكسر : الرجل العلامة والبطن ، ومنه : " فرخان في نقاب " يضر للمتشابهين ، فعلى هذا يريد بالمناقبة المشابهة بالنسب . يعنى أنى معاوية وإن كان في النسب له بعض المشابهة عليه السلام من حيث القرشية والقرابة ولكنه . إذا نظرت إلى أن الإمامة هي نبوة مختصرة لا يصلح لها إلى من اجتمعت فيه فضائل من النبوة ومناقب تضارعها وسوابق تتلوها ، وأما الطلقاء وأبناء الطلقاء فليس لهم أن يتعرضوا لان يكونوا من أداني موالي أربابها " .