ابن أبي الحديد

50

شرح نهج البلاغة

وقد ورد نهى كثير عن السفر يوم الجمعة قبل أداء الفرض ، على أن من الناس من كره ذلك بعد الصلاة أيضا ، وهو قول شاذ . ومنها قوله : " وأطع الله في جمل أمورك " ، أي في جملتها ، وفيها كلها ، وليس يعنى في جملتها دون تفاصيلها ، قال : " فان طاعة الله فاضلة على غيرها " ، وصدق ( عليه السلام ) ، لأنها توجب السعادة الدائمة ، والخلاص من الشقاء الدائم ، ولا أفضل مما يؤدى إلى ذلك . ومنها قوله : " وخادع نفسك في العبادة ، أمره أن يتلطف بنفسه في النوافل ، وأن يخادعها ولا يقهرها فتمل وتضجر وتترك ( 1 ) ، بل يأخذ عفوها ، ويتوخى أوقات النشاط ، وانشراح الصدر للعبادة . قال : فأما الفرائض فحكمها غير هذا الحكم ، عليك أن تقوم بها ، كرهتها النفس أو لم تكرهها . ثم أمره أن يقوم بالفريضة في وقتها ، ولا يؤخرها عنه فتصير قضاء . ومنها قوله : " وإياك أن ينزل بك المنون وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا " ، هذه وصية شريفة جدا ، جعل طالب الدنيا المعرض عن الله عند موته كالعبد الآبق يقدم به على مولاه أسيرا مكتوفا ناكس الرأس ، فما ظنك به حينئذ ! ومنها قوله : " وإياك ومصاحبة الفساق ، فإن الشر بالشر ملحق " ، يقول : إن الطباع ينزع بعضها إلى بعض ، فلا تصحبن الفساق فإنه ينزع بك ما فيك من طبع الشر إلى مساعدتهم على الفسوق والمعصية ، وما هو إلا كالنار تقوى بالنار ، فإذا لم تجاورها وتمازجها نار كانت إلى الانطفاء والخمود أقرب .

--> ( 1 ) : " وتزل " .