ابن أبي الحديد

47

شرح نهج البلاغة

ومنها قوله : واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة " ، هذه كانت شيمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وشيمة على ( عليه السلام ) ، أما شيمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فظفر بمشركي مكة وعفا عنهم ، كما سبق القول فيه في عام الفتح ، وأما على ( عليه السلام ) فظفر بأصحاب الجمل وقد شقوا عصا الاسلام عليه ، وطعنوا فيه وفى خلافته ، فعفا عنهم ، مع علمه بأنهم يفسدون عليه أمره فيما بعد ، ويصيرون إلى معاوية ، إما بأنفسهم أو بآرائهم ومكتوباتهم ، وهذا أعظم من الصفح عن أهل مكة ، لان أهل مكة لم يبق لهم لما فتحت فئة يتحيزون إليها ، ويفسدون الدين عندها . ومنها قوله : " واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك " معنى استصلحها استدمها ، لأنه إذا استدامها فقد أصلحها ، فإن بقاءها صلاح لها ، واستدامتها بالشكر . ومنها قوله : ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك " ، أي واس الناس منها ، وأحسن إليهم ، وأجعل بعضها لنفسك وبعضها للصدقة والايثار ، فإنك إن لم تفعل ذلك تكن قد أضعتها . ومنها قوله : " ولير عليك أثر النعمة قد أمر بأن يظهر الانسان على نفسه آثار نعمة الله عليه ، وقال سبحانه : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ( 1 ) وقال الرشيد لجعفر : قم بنا لنمضي إلى منزل الأصمعي ، فمضيا إليه خفية ومعهما خادم معه ألف دينار ليدفع ذلك إليه ، فدخلا داره فوجدا كساء جرداء ، وبارية ( 2 ) سملاء ، وحصيرا مقطوعا ، وخباء قديمة ، وأباريق من خزف ، ودواة من زجاج ، ودفاتر عليها التراب وحيطانا مملوءة من نسج العناكب ، فوجم الرشيد ، وسأله مسائل غثة لم تكن من غرضه ، وإنما قطع بها خجله ، وقال الرشيد لجعفر : ألا ترى إلى نفس هذا المهين ، قد بررناه بأكثر

--> ( 1 ) الضحى 11 . ( 2 ) البارية : الحصيرة .