ابن أبي الحديد
44
شرح نهج البلاغة
في غير هذا الفصل الماضي : للمقيم عبرة ، والميت للحي عظة ، وليس لامس عودة ، ولا المرء من غد على ثقة ، الأول للأوسط رائد ، والأوسط للأخير قائد وكل بكل لاحق ، والكل للكل مفارق " . ومنها قوله : " وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق " ، قال الله سبحانه : ( ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ) ( 1 ) ، وقد نهى عن الحلف بالله في الكذب والصدق ، أما في أحدهما فمحرم وأما في الاخر فمكروه ، ولذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى في لغو القول والهزء والعبث . ومنها قوله : " وأكثر ذكر الموت " ، وما بعد الموت جاء في الخبر المرفوع : " أكثروا ذكر هاذم ( 2 ) اللذات " ، وما بعد الموت : العقاب والثواب في القبر وفي الآخرة . ومنها قوله : " ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق " ، هذه كلمة شريفة عظيمة القدر ، أي لا تتمن الموت إلا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة ، وتنقذك من النار ، وهذا هو معنى قوله تعالى لليهود : ( إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ) ( 3 ) . ومنها قوله : " واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ، ويكرهه لعامة المسلمين ، واحذر كل عمل يعمل في الستر ، ويستحيا منه في العلانية ، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه " ، وهذه الوصايا الثلاث متقاربة في المعنى ، ويشملها معنى قول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ( 4 ) .
--> ( 1 ) سورة البقرة : ( 2 ) هاذم اللذات ، من الهذم وهو القطع . ( 3 ) سورة الجمعة 6 ، 7 . ( 4 ) لأبي الأسود الدؤلي من قصيدته الميمية ، أوردها صاحب الخزانة في 3 : 618 .