ابن أبي الحديد
374
شرح نهج البلاغة
( 158 ) الأصل : ما شككت في الحق منذ أريته . * * * الشرح : أي منذ أعلمته ، ويجب أن يقدر هاهنا مفعول محذوف ، أي منذ أريته حقا ، لان " أرى " يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل ، تقول : أرى الله زيدا عمرا خير الناس ، فإذا بنيته للمفعول به قام واحد من الثلاثة مقام الفاعل ووجب أن يؤتى بمفعولين غيره ، تقول : أريت زيدا خير الناس ، وإن كان أشار بالحق إلى أمر مشاهد بالبصر لم يحتج إلى ذلك ، ويجوز أن يعنى بالحق الله سبحانه وتعالى ، لان الحق من أسمائه عز وجل ، فيقول : منذ عرفت الله لم أشك فيه ، وتكون الرؤية بمعنى المعرفة ، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول آخر ، وذلك مثل قوله تعالى : ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) ( 1 ) ، أي لا تعرفونهم ، الله يعرفهم ، والمراد من هذا الكلام ذكر نعمة الله عليه في أنه منذ عرف الله سبحانه لم يشك فيه ، أو منذ عرف الحق في العقائد الكلامية والأصولية والفقهية لم يشك في شئ منها ، وهذه مزية له ظاهرة على غيره من الناس فإن أكثرهم أو كلهم يشك في الشئ بعد أن عرفه وتعتوره الشبه والوساوس ويران على قلبه وتختلجه الشياطين عما أدى إليه نظره .
--> ( 1 ) سورة الأنفال 60