ابن أبي الحديد

350

شرح نهج البلاغة

ثم قال ( عليه السلام ) : " هلك خزان المال وهم أحياء وذلك لان المال المخزون لا فرق بينه وبين الصخرة المدفونة تحت الأرض ، فخازنه هالك لا محالة ، لأنه لم يلتذ بإنفاقه ، ولم يصرفه في الوجوه التي ندب الله تعالى إليها ، وهذا هو الهلاك المعنوي ، وهو أعظم من الهلاك الحسى . ثم قال : " والعلماء باقون ما بقي الدهر " ، هذا الكلام له ظاهر وباطن فظاهره قوله : " أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة " ، أي آثارهم وما دونوه من العلوم ، فكأنهم موجودون ، وباطنه أنهم موجودون حقيقة لا مجازا ، على قول من قال ببقاء الأنفس ، وأمثالهم في القلوب كناية ولغز ، ومعناه ذواتهم في حظيرة القدوس ، والمشاركة بينها وبين القلوب ظاهرة ، لان الامر العام الذي يشملها هو الشرف ، فكما أن تلك أشرف عالمها ، كذا القلب أشرف عالمه ، فاستعير لفظ أحدهما وعبر به عن الاخر . قوله ( عليه السلام ) : " ها إن هاهنا لعلما جما ، وأشار بيده إلى صدره " ، هذا عندي إشارة إلى العرفان والوصول إلى المقام الأشرف الذي لا يصل إليه إلا الواحد الفذ من العالم ممن لله تعالى فيه سر ، وله به اتصال . ثم قال : " لو أصبت له حملة ! " ومن الذي يطيق حمله ! بل من الذي يطيق فهمه فضلا عن حمله ! ثم قال : " بلى أصيب " . ثم قسم الذي يصيبهم خمسه أقسام : أحدهم أهل الرياء والسمعة ، الذين يظهرون الدين والعلم ومقصودهم الدنيا ، فيجعلون الناموس الديني شبكة لاقتناص الدنيا . وثانيها : قوم من أهل الخير والصلاح ليسوا بذوي بصيرة في الأمور الإلهية الغامضة ،