ابن أبي الحديد
347
شرح نهج البلاغة
أو منقادا لحملة الحق ، لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة ألا لاذا ولا ذاك ، أو منهوما باللذة ، سلس القياد للشهوة ، أو مغرما بالجمع والادخار ، ليسا من رعاة الدين في شئ ، أقرب شئ شبها بهما الانعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه . اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، إما ظاهرا مشهورا ، وإما خائفا مغمورا ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته . وكم ذا وأين ! أولئك والله الأقلون عددا ، والأعظمون عند الله قدرا ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه ، آه آه شوقا إلى رؤيتهم ! انصرف يا كميل إذا شئت . * * * الشرح : الجبان والجبانة : الصحراء . وتنفس الصعداء ، أي تنفس تنفسا ممدودا طويلا . قوله ( عليه السلام ) : " ثلاثة " قسمة صحيحة ، وذلك لان البشر باعتبار الأمور الإلهية : إما عالم على الحقيقة يعرف الله تعالى ، وإما شارع في ذلك فهو بعد في السفر إلى الله يطلبه بالتعلم والاستفادة من العالم ، وإما لا ذا ولا ذاك ، وهو العامي الساقط الذي