ابن أبي الحديد
302
شرح نهج البلاغة
لا يذكر لأبيه شيئا ، وكان يقود أباه إلى المسجد وقد ذهب بصره ، فقال له أبوه يوما : أذهبت إلى عمك ؟ قال : نعم ، وسكت فعرف حين سكت أنه لن يجد عند عمه ما يحب . فقال له : يا بنى ألا تخبرني ما قال لك ؟ قال : أيفعل أبو هاشم - وكانت كنية المغيرة - فربما فعل ، ولكن اغد غدا إلى السوق فخذ لي عينه ، فغدا عبد الله فتعين عينه من السوق لأبيه وباعها ، فأقام أيام لا يبيع أحد في السوق طعاما ولا زيتا غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة ، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الأسديين فدفعها إليهم . وكان أبو بكر خصيصا بعبد الملك بن مروان ، وقال عبد الملك لابنه الوليد لما حضرته الوفاة : إن لي بالمدينة صديقين فاحفظني فيهما : عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . وكان يقال : ثلاثة أبيات من قريش توالت بالشرف خمسة خمسة ، وعدوا منها أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة . قالوا : ومنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، كان أجود الناس بالمال ، وأطعمهم للطعام ، وكانت عينه أصيبت مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة الروم ، وكان المغيرة ينحر الجزور ، ويطعم الطعام حيث نزل ولا يرد أحدا ، فجاء قوم من الاعراب فجلسوا على طعامه ، فجعل أحدهم يحد النظر إليه ، فقال له المغيرة مالك تحد النظر إلى ! قال : إني ليريبني عينك وسماحك بالطعام ، قال ومم ارتبت ؟ قال : أظنك الدجال ، لأنا روينا أنه أعور ، وأنه أطعم الناس للطعام ، فقال المغيرة : ويحك ! إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله . وللمغيرة يقول الأقيشر الأسدي لما قدم الكوفة فنحر الجزر وبسط الأنطاع وأطعم الناس ، وصار صيته في العرب :