ابن أبي الحديد
246
شرح نهج البلاغة
( 89 ) الأصل : إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة . * * * الشرح : لو قال : إنها تمل كما تمل الأبدان ، فأحمضوا ( 1 ) كما نقل عن غيره لحمل ذلك على أنه أراد نقلها إلى الفكاهات والاخبار والاشعار ، ولكنه لم يقل ذلك ، ولكن قال : " فابتغوا لها طرائف الحكمة " ، فوجب أن يحمل كلامه ( عليه السلام ) على أنه أراد أن القلوب تمل من الأنظار العقلية ، في البراهين الكلامية على التوحيد والعدل ، فابتغوا لها عند ملالها طرائف الحكمة ، أي الأمثال الحكمية الراجعة إلى الحكمة الخلقية ، كما نحن ذاكروه في كثير من فصول هذا الباب ، مثل مدح الصبر ، والشجاعة ، والزهد والعفة ، وذم الغضب والشهوة ، والهوى ، وما يرجع إلى سياسة الانسان نفسه ، وولده ، ومنزله ، وصديقه ، وسلطانه ونحو ذلك فإن هذا علم آخر وفن آخر ، لا تحتاج القلوب فيه إلى فكر واستنباط ، فتتعب وتكل بترادف النظر والتأمل عليها ، وفيه أيضا لذه عظيمه للنفس . وقد جاء في إجمام النفس كثير . قال بعضهم روحوا القلوب برواتع ( 2 ) الذكر .
--> ( 1 ) يقال : أحمض القوم إحماضا ، إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث والكلام ، كما يقال : فكه ومتفكه . ( 2 ) د : " تعي " .