ابن أبي الحديد
243
شرح نهج البلاغة
( 87 ) الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمه الله ، ولم يؤيسهم من روح الله ، ولم يؤمنهم من مكر الله . * * * الشرح : قل موضع من الكتاب العزيز يذكر فيه الوعيد إلا ويمزجه بالوعد مثل أن يقول : " إن ربك سريع العقاب " ثم يقول : " وإنه لغفور رحيم " ، والحكمة تقتضي هذا ليكون المكلف مترددا بين الرغبة والرهبة . ويقولون في الأمثال المرموزة : لقي موسى وهو ضاحك مستبشر عيسى وهو كالح قاطب ، فقال عيسى : مالك كأنك آمن من عذاب الله ؟ فقال موسى ( عليه السلام ) : مالك كأنك آيس من روح الله ! فأوحى الله إليهما : موسى أحبكما إلى شعارا فإني عند حسن ، ظن عبدي بي . وأعلم أن أصحابنا وإن قالوا بالوعيد فإنهم لا يؤيسون أحدا ولا يقنطونه من رحمة الله ، وإنما يحثونه على التوبة ، ويخوفونه إن مات من غير توبة ، وبحق ما قال شيخنا أبو الهذيل : لولا مذهب الارجاء لما عصى الله في الأرض ، وهذا لا ريب فيه ، فإن أكثر العصاة إنما يعولون على الرحمة ، وقد اشتهر