ابن أبي الحديد
24
شرح نهج البلاغة
قال : " لما قد اختزن دونك " ، يعنى التسمي بإمرة المؤمنين . ثم قال : " فرارا من الحق " ، أي فعلت ذلك كله هربا من التمسك بالحق والدين ، وحبا للكفر والشقاق والتغلب . قال : " وجحودا لما هو ألزم " ، يعنى فرض طاعة على ( عليه السلام ) ، لأنه قد وعاها سمعه ، لا ريب في ذلك ، إما بالنص في أيام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما تذكره الشيعة - فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير لأنه حج معهم حجة الوداع ، وقد كان أيضا حاضرا يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة : " أنت منى بمنزلة هارون من موسى " ، وقد سمع غير ذلك - وإما بالبيعة كما نذكره نحن فإنه قد اتصل به خبرها ، وتواتر عنده وقوعها ، فصار وقوعها عنده معلوما بالضرورة كعلمه بأن في الدنيا بلدا اسمها مصر ، وأن كان ما رآها . والظاهر من كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه يريد المعنى الأول ! ونحن نخرجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة فنقول : لنفرض أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما نص عليه بالخلافة بعده ، أليس يعلم معاوية وغيره من الصحابة أنه لو قال له في ألف مقام : " أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت " ، ونحو ذلك من قوله : " اللهم عاد من عاداه ، ووال من والاه " ، وقوله : " حربك حربي وسلمك سلمى " ، وقوله : " أنت مع الحق والحق معك " ، وقوله : " هذا منى وأنا منه " ، وقوله : " هذا أخي " ، وقوله : " يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " ، وقوله : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ، وقوله : " إنه ولى كل مؤمن [ ومؤمنة ( 1 ) ] بعدي " ، وقوله : في كلام قاله : " خاصف النعل " ، وقوله : " لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق " ، وقوله : " إن الجنة لتشتاق إلى أربعة " ، وجعله أولهم ، وقوله لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " ، وقوله : " ستقاتل الناكثين والقاسطين
--> ( 1 ) من د .