ابن أبي الحديد

187

شرح نهج البلاغة

قال أبو العباس : وقال أبو عبد الله : العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يثق بمن يخاف عذره ، ولا يرجو من لا يوثق برجائه . قال أبو العباس : وروى عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : كان موسى ( عليه السلام ) يدنى رجلا من بني إسرائيل لطول سجوده ، وطول صمته ، فلا يكاد يذهب إلى موضع إلا وهو معه ، فبينا هو يوما من الأيام إذ مر على أرض معشبة تهتز ، فتأوه الرجل ، فقال له موسى : على ماذا تأوهت ؟ قال : تمنيت أن يكون لربي حمار وأرعاه ( 1 ) هاهنا ، فأكب موسى طويلا ببصره إلى الأرض اغتماما بما سمع منه ، فانحط عليه الوحي ، فقال : ما الذي أنكرت من مقالة عبدي ! إنما آخذ عبادي على قدر ما آتيتهم . قال أبو العباس : وروى عن علي ( عليه السلام ) : هبط جبرائيل ( عليه السلام ) على آدم ( عليه السلام ) بثلاث ليختار منها واحدة ويدع اثنتين ، وهي : العقل ، والحياء ، والدين ، فاختار العقل ، فقال جبرائيل للحياء ، والدين : انصرفا ، فقالا : إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان ، فقال : فشأنكما ! ففاز بالثلاث . * * * فأما قولة ( عليه السلام ) : " ولا ميراث كالأدب " فإني قرأت في حكم الفرس عن بزرجمهر : ما ورثت الاباء أبناءها شيئا أفضل من الأدب ، لأنها إذا ورثتها الأدب اكتسب بالأدب المال ، فإذا ورثتها المال بلا أدب أتلفته بالجهل ، وقعدت صفرا من المال والأدب . قال بعض الحكماء : من أدب ولده صغيرا ، سربه كبيرا . وكان يقال : من أدب ولده أرغم حاسده . وكان يقال : ثلاثة لا غربة معهن : مجانبة الريب ، وحسن الأدب ، وكف الأذى .

--> ( 1 ) د : " أرعاه " .