ابن أبي الحديد
64
شرح نهج البلاغة
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم * ليعلم ما تخفيه تلك النبائث . فقال بل نغطيك يا أبا دلامة ولا نبحثك ، وصرفه راضيا ، وأعطى المشهود عليه من عنده قيمه ذلك الشئ . كان عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب وقاضيها ، فنزل به قوم يستفتونه في الخنثى وميراثه ، فلم يدر ما يقضى فيه ، وكان له جارية اسمها خصيلة ، ربما لامها في الابطاء عن الرعى وفى الشئ يجده عليها ، فقال لها : يا خصيلة لقد أسرع هؤلاء القوم في غنمي ، وأطالوا المكث ، قالت : وما يكبر عليك من ذلك ؟ اتبعه مباله وخلاك ذم ، فقال لها : " أمسى ( 1 ) خصيل بعدها أو روحي " . وقال أعرابي لقوم يتنازعون : هل لكم في الحق أو ما هو خير من الحق ؟ قيل : وما الذي هو خير من الحق ؟ قال : التحاط والهضم ، فإن أخذ الحق كله مر . وعزل عمر بن عبد العزيز بعض قضاته ، فقال لم عزلتني فقال : بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك . ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام ، فقدم خصما إلى باب القاضي في أيام عبد الملك ، فقال القاضي : أما تستحي ! تخاصم وأنت غلام شيخا كبيرا فقال الحق أكبر منه ، فقال اسكت ويحك ! قال فمن ينطق بحجتي إذا ! قال ما أظنك تقول اليوم حقا حتى تقوم ، فقال : لا إله إلا الله . فقام القاضي ودخل على عبد الملك وأخبره ، فقال : اقض حاجته وأخرجه من الشام كي لا يفسد علينا الناس . واختصم أعرابي وحضري إلى قاض ، فقال الأعرابي : أيها القاضي ، إنه وإن هملج ( 2 ) إلى الباطل ، فإنه عن الحق لعطوف . ورد رجل جاريه على رجل اشتراها منه بالحمق ، فترافعا إلى إياس بن معاوية ، .
--> ( 1 ) في مجمع الأمثال 2 : 295 " مسي سخيل بعدها أو صبحي " . ( 2 ) هملج : أسرع