ابن أبي الحديد
41
شرح نهج البلاغة
فكوني على الواشين لداء شغبة * كما أنا للواشي ألد شغوب ( 1 ) قال : بل أكون كما قال القائل : وإذا الواشي وشى يوما بها * نفع الواشي بما جاء يضر وقال العباس بن الأحنف : ما حطك الواشون من رتبة * عندي ولا ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا * عليك عندي بالذي عابوا . قوله عليه السلام : " ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر " مأخوذ من قول الله تعالى : " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) ( 2 ) ، قال المفسرون : الفحشاء هاهنا البخل ، ومعنى " يعدكم الفقر " ، يخيل إليكم أنكم إن سمحتم بأموالكم افتقرتم فيخوفكم فتخافون فتبخلون . قوله عليه السلام : " فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله " ، كلام شريف عال على كلام الحكماء ، يقول : إن بينها قدرا مشتركا وإن كانت غرائز وطبائع مختلفة ، وذلك القدر المشترك هو سوء الظن بالله ، لان الجبان يقول في نفسه : إن أقدمت قتلت ، والبخيل يقول : إن سمحت وأنفقت افتقرت ، والحريص يقول : إن لم أجد وأجتهد وأدأب فاتني ما أروم ، وكل هذه الأمور ترجع إلى سوء الظن بالله ، ولو أحسن الظن الانسان بالله وكان يقينه صادقا لعلم أن الاجل مقدر ، وأن الرزق مقدر ، وأن الغنى والفقر مقدران ، وأنه لا يكون من ذلك إلا ما قضى الله تعالى كونه . * * * .
--> ( 1 ) اللداء : الشديدة الخصومة . ( 2 ) سورة البقرة 268