ابن أبي الحديد
191
شرح نهج البلاغة
وأن وقف تصرفه على اختياره ، وصار ذلك عندهم بمنزلة أن يختار المسلمون واحدا يحكم بينهم ، ثم يموت من رضى بذلك ، فإن تصرفه يبقى على ما كان عليه وقال قوم من أصحابنا : ينعزل ، وإن هذا النوع من التصرف لا يستفاد إلا من جهة الامام ولا يقوم به غيره ، وإذا ثبت أن أسامة قد بطلت ولايته لم تبق تبعة ( 1 ) على أبى بكر في الرجوع من بعض الطريق إلى المدينة . * * * وخامسها : أن أمير المؤمنين عليه السلام ولى أبا موسى الحكم ، وولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خالد بن الوليد السرية إلى الغميصاء ( 2 ) وهذا الكلام إنما ذكره قاضي القضاة تتمة لقوله : إن أمره عليه السلام بنفوذ بعث أسامة كان مشروطا بالمصلحة ، قال : كما أن توليته ( عليه السلام ) أبا موسى كانت مشروطة باتباع القرآن ، وكما أن تولية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خالد بن الوليد كانت مشروطة بأن يعمل بما أوصاه به ، فخالفا ولم يعملا الحق ، فإذا كانت هذه الأوامر مشروطة فكذلك أمره جيش أسامة بالنفوذ كان مشروطا بالمصلحة وألا يعرض ما يقتضى رجوع الجيش أو بعضه إلى المدينة ، وقد سبق القول في كون الامر مشروطا . وسادسها : أن أبا بكر كان محتاجا إلى مقام عمر عنده ليعاضده ( 3 ) ويقوم في تمهيد أمر الإمامة ما لا يقوم به غيره ، فكان ذلك أصلح في باب الدين من مسيره ( 3 ) مع الجيش ، فجاز أن يحبسه عنده لذلك ، وهذا الوجه مختص بمن قال : إن أبا بكر لم يكن في الجيش ، وإيضاح عذره في حبس عمر عن النفوذ ( 5 ) مع الجيش .
--> ( 1 ) ا : " شئ " . ( 2 ) الغميصاء : موضع أوقع فيه خالد بن الوليد ببني جذيمة . ( 3 ) بعدها في ا ، " ويعاونه " . ( 4 ) ا : " سيره " . ( 5 ) ا : " التنفيذ " .