ابن أبي الحديد
189
شرح نهج البلاغة
لو جاز أن تكون السرايا والحروب عن اجتهاده ، لجاز أن تكون الاحكام كلها عن اجتهاده . وأيضا فإن الصحابة كانوا يراجعونه في الحروب وآرائه التي يدبرها بها ويرجع ( عليه السلام ) إليهم في كثير منها بعد أن قد رأى غيره . وأما الاحكام فلم يكن يراجع فيها أصلا ، فكيف يحمل أحد البابين على الاخر . فأما قوله : لو كانت عن اجتهاد لوجب أن يحرم مخالفته فيها وهو حي ، لا فرق بين الحالين ، فلقائل أن يقول : القياس يقتضى ما ذكرت ، إلا أنه وقع الاجماع على أنه لو كان في الاحكام أو في الحروب والجهاد ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته ، والعدول عن مذهبه وهو حي لم يختلف أحد من المسلمين في ذلك ، وأجازوا مخالفته بعد وفاته بتقدير أن يكون ما صار إليه عن اجتهاد ، والاجماع حجة . فأما قول قاضي القضاة : لان اجتهاده وهو حي أولى من اجتهاد غيره ، فليس يكاد يظهر ، لان اجتهاده ، وهو ميت أولى أيضا من اجتهاد غيره ، ويغلب على ظني أنهم فرقوا بين حالتي الحياة والموت ، فإن في مخالفته وهو حي نوعا من أذى له ، وأذاه محرم لقوله تعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) ( 1 ) ، والأذى بعد الموت لا يكون ، فافترق الحالان . * * * وثالثها : أنه لو كان الامام منصوصا عليه لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته ، فكذلك إذا كان بالاختيار ، وهذا قد منع منه المرتضى ، وقال : إنه لا يجوز للمنصوص عليه ذلك ، ولا أن يولى من عزله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا أيعزل من ولاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب 53 .