ابن أبي الحديد

185

شرح نهج البلاغة

ذلك فهذا لعمري جائز ، وقد يمكن أن يقال إنه لما خرج متحاملا من شده المرض فتأخر أبو بكر عن مقامه ، وصلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالناس ، أمره بالنفوذ مع الجيش ، وأسكت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أثناء ذلك اليوم ، واستمر أبو بكر على الصلاة بالناس ، إلى أن توفى ( عليه السلام ) ، فقد جاء في الحديث أنه أسكت ، وأن أسامة دخل عليه فلم يستطع كلامه لكنه كان يرفع يديه ويضعهما ( 1 ) عليه كالداعي له . ويمكن أن يكون زمان هذه السكتة قد امتد يوما أو يومين ، وهذا الموضع من المواضع المشتبهة عندي ومنها قول قاضي القضاة : إن الامر على التراخي ، فلا يلزم من تأخر أبى بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا . فأما قول المرتضى : الامر على الفور إما لغة عند من قال به ، أو شرعا لاجماع الكل على أن الأوامر الشرعية على الفور إلا ما خرج بالدليل ، فالظاهر في هذا الموضع صحة ما قاله المرتضى ، لان قرائن الأحوال عند من يقرأ السير ويعرف التواريخ تدل على أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان يحثهم على الخروج والمسير ، وهذا هو الفور . وأما قول المرتضى وقول أسامة : لم أكن لأسأل عنك الركب ، فهو أوضح دليل على أنه عقل من الامر الفور ، لان سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له . فلقائل أن يقول : إن ذلك لا يدل على الفور ، بل يدل على أنه مأمور في الجملة بالنفوذ والمسير ، فإن التعجيل والتأخير ( 2 ) مفوضان إلى رأيه ، فلما قال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لم تأخرت عن المسير ؟ قال : لم أكن لأسير وأسأل عنك الركب ، إني انتظرت عافيتك فإني إذا سرت وأنت على هذه الحال لم يكن لي قلب للجهاد ، بل أكون قلقا شديد الجزع أسأل

--> ( 1 ) في د " ويحطهما " . ( 2 ) في د " والتأجيل " .