ابن أبي الحديد

179

شرح نهج البلاغة

أحد في أوامر الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) بالشرائع المصلحة وانتفاء المفسدة . وشرطوا في ذلك التمكن ورفع التعذر ، ولو كان الامام منصوصا عليه بعينه واسمه لما جاز أن يسترد جيش أسامة ، بخلاف ما ظنه ، ولا يعزل من ولاه ( عليه السلام ) ولا يولى من عزله للعلة التي ذكرناها . فأما استدلال أبى على على أن أبا بكر لم يكن في الجيش بحديث الصلاة ، فأول ما فيه أنه اعتراف بأن الامر بتنفيذ الجيش كان في الحياة دون بعد الوفاة ، وهذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره ( عليه السلام ) . ثم إنا قد بينا أنه ( عليه السلام ) لم يوله الصلاة وذكرنا ما في ذلك . ثم ما المانع من أن يوليه تلك الصلاة إن كان ولاه إياها ثم يأمره بالنفوذ من بعد مع الجيش ! فإن الامر بالصلاة في تلك الحال لا يقتضى أمره بها على التأبيد . وأما ادعاؤه أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يأمر بالحروب وما يتصل بها عن اجتهاد دون الوحي ، فمعاذ الله أن يكون صحيحا ، لان حروبه ( عليه السلام ) لم تكن مما يختص بمصالح أمور الدنيا ، بل للدين فيها أقوى تعلق ، لما يعود على الاسلام وأهله بفتوحه من العز والقوة وعلو الكلمة . وليس يجرى ذلك مجرى أكله وشربه ونومه ، لان ذلك لا تعلق له بالدين ، فيجوز أن يكون عن رأيه ، ولو جاز أن تكون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوى لها بالدين عن اجتهاد لجاز ذلك في الاحكام . ثم لو كان ذلك عن اجتهاد لما ساغت مخالفته فيه بعد وفاته ، كما لا تسوغ في حياته . فكل علة تمنع من أحد الامرين هي مانعة من الاخر . فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجيش بما ذكره فباطل ، لأنا قد قلنا إن ما يأمر به ( عليه السلام ) لا يسوغ مخالفته مع الامكان ، ولا مراعاة لما عساه يعرض فيه من رأى غيره ، وأي حاجة إلى عمر بعد تمام العقد ، واستقراره ورضا الأمة به ، على طريق ( 1 ) المخالف وإجماعها عليه ، ولم يكن

--> ( 1 ) في د : " مذهب " .