ابن أبي الحديد

175

شرح نهج البلاغة

ألا ترى أنا نقول : أبو دجانة أفضل من أبى بكر بجهاده بالسيف في مقام الحرب ، ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل منه مطلقا ، لان في أبى بكر من خصال الفضل ما إذا قيس بهذه الخصلة أربى عليها أضعافا مضاعفة . * * * الطعن الرابع قالوا : إن أبا بكر كان في جيش أسامة ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كرر حين موته الامر بتنفيذ جيش أسامة ، فتأخره يقتضى مخالفة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فإن قلتم : إنه لم يكن في الجيش ، قيل لكم : لا شك أن عمر بن الخطاب كان في الجيش ، وأنه حبسه ومنعه من النفوذ مع القوم ، وهذا كالأول في أنه معصية ، وربما قالوا : إنه ( صلى الله عليه وآله ) جعل هؤلاء القوم في جيش أسامة ليبعدوا بعد وفاته عن المدينة ، فلا يقع منهم توثب على الإمامة ، ولذلك لم يجعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ذلك الجيش ، وجعل فيه أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم ، وذلك من أوكد الدلالة على أنه لم يرد أن يختاروا للإمامة ( 1 ) . أجاب قاضي القضاة بأن أنكر أولا أن يكون أبو بكر في جيش أسامة ، وأحال على كتب المغازي ، ثم سلم ذلك وقال : إن الامر لا يقتضى الفور ، فلا يلزم من تأخر أبى بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا . ثم قال : إن خطابه ( صلى الله عليه وآله ) بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بعده ، لأنه من خطاب الأئمة وهذا يقتضى ألا يدخل المخاطب بالتنفيذ في الجملة : ثم قال ، وهذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه ، لأنه لو كان لأقبل بالخطاب عليه ، وخصه بالامر بالتنفيذ دون الجميع .

--> ( 1 ) الشافي 42 .