ابن أبي الحديد
166
شرح نهج البلاغة
وأي شبهة تبقى بعد قول أبى بكر : ليتني كنت سألته : هل للأنصار في هذا الامر حق فكنا لا ننازعه أهله ؟ ومعلوم أن التنازع لم يقع بينهم إلا في الإمامة نفسها ، لا في حق آخر من حقوقها . فأما قوله : إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنى أنه لم يفعله ، فقد بينا فساد ما ظنه فيما تقدم . فأما قوله : إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه ، فليس بصحيح ، لأن ولاية أبى بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين ، والنظر للمسلمين في تلك الحال وما عداها كان مفسدة ومؤديا إلى الفتنة ، فالتمني لخلافها لا يكون إلا قبيحا ( 1 ) . * * * قلت : أما قول قاضي القضاة : إن هذا التمني لا يقتضى الشك في أن الإمامة لا تكون إلا في قريش ، كما أن قول إبراهيم : ( ولكن ليطمئن قلبي ) ، لا يقتضى الشك في أنه تعالى قادر على ذلك فجيد . فأما قول المرتضى : إنما ساغ أن يعدل عن الظاهر في حق إبراهيم لأنه نبي معصوم لا يجوز عليه الشك ، فيقال له : وكذلك ينبغي أن يعدل عن ظاهر كلام أبى بكر ، لأنه رجل مسلم عاقل ، فحسن الظن به يقتضى صيانة أفعاله وأقواله عن التناقض . قوله : إن إبراهيم قد نفى عن نفسه الشك بقوله : " بلى ولكن ليطمئن قلبي " قلنا : إن أبا بكر قد نفى عن نفسه الشك بدفع الأنصار عن الإمامة وإثباتها في قريش خاصة ، فإن كانت لفظة " بلى " دافعة لشك إبراهيم الذي يقتضيه قوله : ( ولكن ليطمئن قلبي ) ، ففعل أبى بكر وقوله يوم السقيفة .
--> ( 1 ) الشافعي 419 ، وفى د : " إلا نسخا "