ابن أبي الحديد
158
شرح نهج البلاغة
في غير هذا القول مندوحة ولكان يقول : إني ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي وما كنت أبالي ألا يكون هذا الامر في ولا إلى ، وإن مفارقته لتسرني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به ، متى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل ، جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به . وأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخولها فيها وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلة فكر فيه ، وعلما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها ، فأين هذا من استقاله بيعة قد تقدمت واستقرت ( 1 ) ! * * * قلت : أما قول أبى بكر : وليتكم ولست بخيركم " فقد صدق عند كثير من أصحابنا ، لان خيرهم علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومن لا يقول بذلك يقول بما قاله الحسن البصري : والله إنه ليعلم أنه خيرهم ، ولكن المؤمن يهضم نفسه . ولم يطعن المرتضى فيه بهذه اللفظة لنطيل القول فيها . وأما قول المرتضى عنه أنه قال : فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي " ، فالمشهور في الرواية : " فإن لي شيطانا يعتريني " ( 2 ) ، قال المفسرون : أراد بالشيطان الغضب وسماه شيطانا على طريق الاستعارة ، وكذا ذكره شيخنا أبو الحسين في " الغرر " . قال معاوية لانسان غضب في حضرته فتكلم بما لا يتكلم بمثله في حضره الخلفاء : أربع على ظلعك ( 3 ) أيها الانسان ، فإنما الغضب شيطان ، وأنا لم نقل إلا خيرا . وقد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في " كتاب التاريخ الكبير " خطبتي أبى بكر عقيب بيعته بالسقيفة ، ونحن نذكرهما نقلا من كتابه ، أما الخطبة الأولى فهي : .
--> ( 1 ) الشافي 415 ، 416 . ( 2 ) أي من غير ذكر لفظ " عند الغضب " . ( 3 ) أربع على نفسك ، أي توقف