ابن أبي الحديد
124
شرح نهج البلاغة
عناني ، وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة . واعلموا أن أشجع القوم العطوف ، وخير الموت تحت ظلال السيوف ، ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب ، ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب ومن الناس من لا يرجى خيره ، ولا يخاف شره ، فبكوءه ( 1 ) خير من دره ، وعقوقه خير من بره ، ولا تبرحوا في حبكم فإن من أبرح في حب آل ذلك إلى قبيح بغض ، وكم قد زارني إنسان وزرته ، فانقلب الدهر بنا فقبرته . واعلموا أن الحليم سليم ، وأن السفيه كليم ، إني لم أمت ولكن هرمت ، ودخلتني ذلة فسكت ، وضعف قلبي فأهترت ( 2 ) ، سلمكم ربكم وحياكم ! * * * ومن كتاب أردشير بن بابك إلى بنيه والملوك من بعده : رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان الملك والدين توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه ، فالدين أس الملك وعماده ، ثم صار الملك حارس الدين فلا بد للملك من أسه ، ولا بد للدين من حارسه ، فأما مالا حارس له فضائع ، وما لا أس له فمهدوم ، إن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إياكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه ، فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم ، فتحدث في الدين رياسات منتشرات سرا فيمن قد وترتم وجفوتم ، وحرمتم وأخفتم ، وصغرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة ، ثم لا تنشب تلك الرياسات أن تحدث خرقا في الملك ووهنا في الدولة . واعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجسادكم الرعية لا على قلوبها . وإن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على ما في عقولهم وآرائهم ومكايدهم . واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه ، وهو أقطع سيفيه ، وإن أشد ما يضر بكم من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدين ، فكان للدنيا يحتج ( 3 ) ، وللدين فيما يظهر يتعصب فيكون .
--> ( 1 ) بكأت الناقلة بكوءا : قل لبنها . ( 2 ) الهتر : ذهاب العقل . ( 3 ) ا : " يجنح "