ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
ومنها نهيه عن التساقط في الشئ الممكن عند حضوره وهذا عبارة عن النهى عن الحرص والجشع ، قال الشنفري : وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن * بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل ومنها نهيه عن اللجاجة في الحاجة إذا تعذرت ، كان يقال : من لاج الله فقد جعله خصما ، وكان الله خصمه فهو مخصوم ، قال الغزي : دعها سماوية تجرى على قدر * لا تفسدنها برأي منك معكوس ومنها نهيه له عن الوهن فيها إذا استوضحت ، أي وضحت وانكشفت ، ويروى : " واستوضحت " فعل ما لم يسم فاعله ، والوهن فيها إهمالها وترك انتهاز الفرصة فيها ، قال الشاعر : فإذا أمكنت فبادر إليها * حذرا من تعذر الامكان . ومنها نهيه عن الاستئثار ، وهذا هو الخلق النبوي ، غنم رسول الله صلى الله عليه وآله غنائم خيبر ، وكانت ملء الأرض نعما ، فلما ركب راحلته وسار تبعه الناس يطلبون الغنائم وقسمها ، وهو ساكت لا يكلمهم ، وقد أكثروا عليه إلحاحا وسؤالا ، فمر بشجرة فخطفت ( 1 ) رداءه ، فالتفت فقال : ردوا على ردائي فلو ملكت بعدد رمل تهامة مغنما لقسمته بينكم عن آخره ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ، ونزل وقسم ذلك المال عن الآخرة عليهم كله ، لم يأخذ لنفسه منه وبرة . ومنها نهيه له عن التغابي ، وصوره ذلك أن الأمير يومى إليه أن فلانا من خاصته يفعل كذا ويفعل كذا من الأمور المنكرة ويرتكبها سرا ، فيتغابى عنه ويتغافل ، نهاه عليه السلام عن ذلك وقال : إنك مأخوذ منك لغيرك ، أي معاقب ، تقول اللهم خذ لي من فلان بحقي ، أي اللهم انتقم لي منه . .
--> ( 1 ) د " فاختطفت