ابن أبي الحديد

100

شرح نهج البلاغة

والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت إلى بيت المال ، ثم خرج ونادى مناديه : من كانت له مظلمة من بعيد أو قريب من أمير المؤمنين فليحضر فقام ، رجل ذمي من أهل حمص أبيض الرأس واللحية ، فقال : أسألك كتاب ! الله قال : ما شأنك ؟ قال : العباس بن الوليد ابن عبد الملك اغتصبني ضيعتي - والعباس جالس - فقال عمر : ما تقول يا عباس ؟ قال : أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد ، وكتب لي بها سجلا . فقال عمر : ما تقول أنت أيها الذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أسألك كتاب الله ! فقال عمر : إيها لعمري إن كتاب الله لاحق أن يتبع من كتاب الوليد ، أردد عليه يا عباس ضيعته ، فجعل لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل بيته من المظالم إلا ردها مظلمة مظلمة . وروى ميمون بن مهران ، قال : بعث إلى عمر بن عبد العزيز وإلى مكحول وأبى قلابة فقال : ما ترون في هذه الأموال التي أخذها أهلي من الناس ظلما ؟ فقال مكحول قولا ضعيفا كرهه عمر ، فقال : أرى أن تستأنف وتدع ما مضى ، فنظر إلى عمر كالمستغيث بي ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أحضر ولدك عبد الملك لننظر ما يقول ، فحضر ، فقال : ما تقول يا عبد الملك ؟ فقال : ماذا أقول ؟ ألست تعرف مواضعها ! قال : بلى والله ، قال : فارددها ، فإن لم تفعل كنت شريكا لمن أخذها . وروى ابن درستويه ، عن يعقوب بن سفيان ، عن جويرية بن أسماء ، قال : كان بيد عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة ضيعته المعروفة بالسهلة ، وكانت باليمامة . وكانت أمرا عظيما لها غلة عظيمة كثيرة ، إنما عيشه وعيش أهله منها ، فلما ولى الخلافة قال لمزاحم مولاه - وكان فاضلا - : إني قد عزمت أن أرد السهلة إلى بيت مال المسلمين ، فقال مزاحم : أتدري كم ولدك ؟ إنهم كذا وكذا قال فذرفت عيناه ، فجعل يستدمع ويمسح الدمعة بأصبعه الوسطى ، ويقول أكلهم إلى الله أكلهم إلى الله ! فمضى مزاحم فدخل على عبد الملك ابن عمر ، فقال له : ألا تعلم ما قد عزم عليه أبوك ! إنه يريد أن يرد السهلة ، قال : فما قلت