حسن حسين

32

ثلاثية البردة (بردة الرسول ص)

فيصف الشاعر سعاد بأنها امرأة ذات مزاج متقلب ، فهي تارة محبة مقبلة وتارة كارهة مدبرة ، تارة تبدي رغبة الوصال ، وطورا تبدي رغبة الهجران ، أنها لا تدوم على حال ، فتتلون بشتى الألوان حتى لا يعرف عاشقها حقيقة مشاعرها النفسية تجاهه ؛ هل هي تحبه ؟ هل هي تكرهه ؟ هل تذكره ؟ أم تنساه ؟ هل ترغب فيه ، أم تنفر منه ؟ كل هذه صفاتها وهو يشبهها في ذلك بالغول الذي يعرفه بدو الصحراء بأنه ساحرة الجن تظهر في الفلاة أمام الناس بألوان وأشكال شتى جميلة موشاة حتى يتبعها من يراها ، ثم تتغير إلى حال كريهة تثير الفزع والخوف في نفوس من يتبعها ، وهذه المعشوقة لا تتمسك بوعد قطعته على نفسها أو عهد منحته عاشقا من عشاقها ، فهي كذوب في وعودها وعهودها وكأنها غرابيل وضع فيها الماء للحفاظ عليه ، فهل من الممكن أن تحفظ الماء هذه الغرابيل ذات الفتحات الواسعة والثقوب الكبيرة . . ؟ لا يمكن لإنسان عاقل أن يصدق أن الغرابيل تحفظ الماء ، ولا يمكن أيضا من وجهة نظر الشاعر أن تحافظ سعاد على وعودها تجاهه ، فلا تصدق أيها الإنسان ما تعدك به الأنثى وما تمنيك به ، كما أنه لا يصدق أن سعاد ستفي بما وعدت ومنت ، فإن وعودها وأمانيها ما هي إلا سراب في سراب ، وأحلام في أحلام حتى أنها بدأت مثل هذا السراب للرجل الشهير بين العرب بعدم احترامه للمواعيد ولم تكن مواعيده إلا أكاذيب باطلة ، وهو ( عرقوب ) الذي يضرب به المثل في خلف المواعيد . ويمضي الشاعر فيقول : أرجو وامل أن تدنو مودتها * وما إخال لدينا منك تنويل « 1 » أمست سعاد بأرض لا يبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل « 2 »

--> ( 1 ) التنويل : العطاء والمراد به ( هنا ) الوصل . ( 2 ) العتاق : الكرام ، والنجيات : جمع نجيبه وهي القوية الخفيفة أي السريعات ، والمراسيل : جمع مرسال وهي السريعة .