ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
إثبات ثان حكيم لوجب أن يبعث رسولا يدعو المكلفين إلى التثنية ، لان الأنبياء كلهم دعوا إلى التوحيد ، لكن التوحيد على هذا الفرض ضلال ، فيجب على الثاني الحكيم أن يبعث من ينبه المكلفين على ذلك الضلال ويرشدهم إلى الحق وهو إثبات الثاني ، وإلا كان منسوبا في إهمال ذلك إلى السفه واستفساد المكلفين ، وذلك لا يجوز ، ولكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثان في الإلهية فبطل كون القول بالتوحيد ضلالا ، وإذا لم يكن ضلالا كان حقا ، فنقيضه وهو القول بإثبات الثاني باطل . الوجه الثاني : أنه لو كان في الوجود ثان للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته ، إما من مجرد أفعاله ، أو من صفات أفعاله ، أو من صفات نفسه ، أو لا من هذا ولا من هذا ، فمن التوقيف . وهذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام ، لان قوله : " أتتك رسله " هو التوقيف ، وقوله : " ولرأيت آثار ملكه وسلطانه " ، هي صفات أفعاله ، وقوله : " ولعرفت أفعاله وصفاته " هما القسمان الآخران . أما إثبات الثاني من مجرد الفعل فباطل ، لان الفعل إنما يدل على فاعل ولا يدل على التعدد ، وأما صفات أفعاله وهي كون أفعاله محكمة متقنة ، فإن الاحكام الذي نشاهده إنما يدل على عالم ولا يدل على التعدد ، وأما صفات ذات البارئ فالعلم بها فرع على العلم بذاته ، فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور . وأما التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني ، وإذا بطلت الأقسام كلها ، وقد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول باثبات الثاني . ثم قال : " لا يضاده في ملكه أحد " ليس يريد بالضد ما يريده المتكلمون من نفي ذات هي معاكسة لذات البارئ تعالى في صفاتها كمضادة السواد للبياض ، بل مراده نفى الثاني لا غير ، فإن نفى الضد بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام .