ابن أبي الحديد

75

شرح نهج البلاغة

أن يقتصر منه على الإيلام فقط ، لان الجميع حقه ، فله أن يستوفي البعض ويسقط البعض ، وقد روي " أو بما شاء " بالباء الزائدة ، " وروى بما لا يعلم " . وأما ( 1 ) الثواب فلا يجوز أن يجازى به المحسن في الدنيا ، لأنه على صفة لا يمكن أن تجامع ( 2 ) التكليف ، فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة . ثم أعاد عليه السلام وصيته الأولى ، فقال : وإن أشكل عليك شئ من أمر القضاء والقدر ، وهو كون الكافر مخصوصا بالنعماء والمؤمن مخصوصا بضرب من الابتلاء ، وكون الجزاء قد يكون في المعاد ، وقد يكون في غير المعاد ، فلا تقدحن جهالتك به في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته ، وهو أن الله تعالى هو المحيي المميت ، المفني المعيد ، المبتلي المعافي ، وأن الدنيا بنيت على الابتلاء والانعام ، وأنهما لمصالح وأمور يستأثر الله تعالى بعلمها ، وأنه يجازي عباده أما في الآخرة أو غير الآخرة ، على حسب ما يريده ويختاره . ثم قال له : إنما خلقت في مبدأ خلقتك جاهلا ، فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها ، أو لها إليها وصول بعد أمور صعبة ، ومتاعب شديدة ، فمن خلق جاهلا حقيق أن يكون جهله مدة عمره أكثر من علمه استصحابا للأصل . ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه ، فقال له : وعساك إذا جهلت شيئا من ذلك أن تعلمه فيما بعد ، فما أكثر ما تجهل من الأمور وتتحير فيه ، ثم تبصره وتعرفه ! وهذا من الطب ( 3 ) اللطيف ، والرقى الناجعة ، والسحر الحلال .

--> ( 1 ) أ : " فأما " . ( 2 ) ب : " يجتمع " ، وما أثبته من أ . ( 3 ) الطب : المعالجة .