ابن أبي الحديد

69

شرح نهج البلاغة

فيه وتنبيهك عليه أحب إلي من أن أتركك سدى مهملا ، تتلاعب بك الشبه ، وتعتورك الشكوك في أصول دينك ، فربما أفضى ذلك بك إلى الهلكة . فإن قلت : فلماذا كان كارها تنبيه ولده على ذلك ، وأنتم تقولون أن معرفة الله واجبة على المكلفين ، وليس يليق بأمير المؤمنين أن يكره ما أوجبه الله تعالى ! قلت : لعله علم إما من طريق وصية رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو من طريق معرفته بما يصلح أن يكون لطفا لولده ، ومعرفته بما يكون مفسدة له ، لكثرة التجربة له ، وطول الممارسة لأخلاقه وطباعه أن الأصلح له ألا يخوض في علم الكلام الخوض الكلي وأن يقتنع بالمبادئ والجمل ، فمصالح البشر تختلف ، فرب إنسان مصلحته في أمر ذلك الامر بعينه مفسدة لغيره ، ونحن وإن أوجبنا المعرفة فلم نوجب منها إلا الأمور المجملة ، وأما التفصيلات الدقيقة الغامضة ، فلا تجب إلا عند ورود الشبهة ، فإذا لم تقع الشبهة في نفس المكلف لم يجب عليه الخوض في التفصيلات . قوله عليه السلام : " قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم " العين مفتوحة والميم مكسورة مخففة ، تقول : عمر الرجل يعمر عمرا وعمرا على غير قياس ، لان قياس مصدره التحريك أي عاش زمانا طويلا ، واستعمل في القسم أحدهما فقط ، وهو المفتوح . قوله عليه السلام : " حيث عناني من أمرك " أي أهمني ، قال : * عناني من صدودك ما عنا * قوله : " وأجمعت عليه " أي عزمت . ومقتبل الدهر ، يقال : اقتبل الغلام فهو مقتبل بالفتح وهو من الشواذ ، ومثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن ، وإذا عف فمحصن أيضا ، وأسهب إذا أطال الحديث فهو مسهب ، وألفج إذا افتقر فهو ملفج ، وينبغي أن يكون له من قوله : " تنبيهك له " بمعنى