ابن أبي الحديد

34

شرح نهج البلاغة

ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا ، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام ، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب ( 1 ) في ذلك مغمزا يثلمونه به ، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده ، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا بفضل في الدين معروف ، ولا أثر في الاسلام محمود ، وأنت ابن حزب من الأحزاب ، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه ، والله حسيبك ، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار ، وبالله لتلقين عن قليل ربك ، ثم ليجزينك بما قدمت يداك ، وما الله بظلام للعبيد . إن عليا لما مضى لسبيله - رحمة الله عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالاسلام ، ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الامر بعده ، فأسأل الله ألا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة ، وإنما حملني على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك ، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم ، والصلاح للمسلمين ، فدع التمادي في الباطل ، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي ، فإنك تعلم أني أحق بهذا الامر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ، ومن له قلب منيب . واتق الله ودع البغي ، واحقن دماء المسلمين ، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به ، وادخل في السلم والطاعة ، ولا تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك ، ليطفئ الله النائرة ( 2 ) بذلك ، ويجمع الكلمة ، ويصلح ذات البين ، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت ( 3 ) إليك بالمسلمين فحاكمتك ، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . فكتب معاوية إليه ( 4 ) :

--> ( 1 ) الأحزاب : هم الذين تحزبوا وتظاهروا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وغطفان وبني مرة وبني أشجع وبني سليم وبني أسد في غزوة الخندق . ( 2 ) النائرة : العداوة والشحناء . ( 3 ) مقاتل الطالبيين : " نهدت " . ( 4 ) في مقاتل الطالبيين " بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله . . . " .