ابن أبي الحديد
285
شرح نهج البلاغة
يقتضى خلافه . فإنه لم يجب عما ذكره قاضي القضاة . لان معنى قوله : إنها لو كانت في يدها أي متصرفة فيها لكانت اليد حجة في الملكية . لان اليد والتصرف حجة لا محالة فلو كانت في يدها تتصرف فيها وفى ارتفاقها كما يتصرف الناس في ضياعهم وأملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بآية الميراث ولا بدعوى النحل . لان اليد حجة فهلا قالت لأبي بكر : هذه الأرض في يدي . ولا يجوز انتزاعها منى إلا بحجة ! وحينئذ كان يسقط احتجاج أبى بكر بقوله : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) لأنها ما تكون قد ادعتها ميراثا ليحتج عليها بالخبر . وخبر أبي سعيد في قوله : ( فأعطاها فدك ) يدل على الهبة لا على القبض والتصرف . ولأنه يقال : أعطاني فلان كذا فلم أقبضه ولو كان الاعطاء هو القبض والتصرف لكان هذا الكلام متناقضا . فأما تعجب المرتضى من قول أبى على : إن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوى النحل وقوله : إنا لا نعرف له غرضا في ذلك فإنه لا يصح له بذلك مذهب ولا يبطل على مخالفيه مذهب . فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبى على في ذلك . وهذا شئ يرجع إلى أصول الفقه فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) ( 1 ) برواية أبى بكر عن النبي صلى الله عليه وآله ( لا نورث ما تركناه صدقة ) . قالوا : والصحيح في الخبر أن فاطمة عليه السلام طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث فلهذا قال الشيخ أبو علي : إن دعوى الميراث تقدمت على دعوى النحل وذلك لأنه ثبت أن فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية ولا موافقة لأبي بكر . فلو كانت دعوى الإرث متأخرة وانصرفت عن سخط لم يثبت الاجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد . أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمة فلما روى لها الخبر أمسكت وانتقلت إلى النزاع من جهة أخرى فإنه يصح حينئذ الاستدلال بالاجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد .
--> ( 1 ) سورة النساء 11 .