ابن أبي الحديد

28

شرح نهج البلاغة

لتعلم أن عليا لم يرتب في الدين ، ولا يشك في الله ساعة ولا طرفة عين قط ، وأيم الله لتنتهين يا بن أم عمرو أو لأنفذن حضنيك بنوافذ أشد من القعضبية ( 1 ) : فإياك والتهجم علي ، فإني من قد عرفت ، لست بضعيف الغمزة ، ولا هش المشاشة ( 2 ) ، ولا مرئ المأكلة ، وإني من قريش كواسطة القلادة ، يعرف حسبي ، ولا أدعى لغير أبى ، وأنت من تعلم ويعلم الناس ، تحاكمت فيك رجال قريش ، فغلب عليك جزاروها ، ألأمهم حسبا ، وأعظمهم لؤما ، فإياك عنى ، فإنك رجس ، ونحن أهل بيت الطهارة ، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا . فأفحم عمرو وانصرف كئيبا . وروى أبو الحسن المدائني قال : سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب الناس ، فامتنع ، فناشده أن يفعل ، فوضع له كرسي ، فجلس عليه ، ثم قال : الحمد لله الذي توحد في ملكه ، وتفرد في ربوبيته ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزعه عمن يشاء . والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم ، وأخرج من الشرك أولكم ، وحقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء ، إن شكرتم أو كفرتم . أيها الناس ، أن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ، ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله ، ولم تجدوا مثل سابقته ، فهيهات هيهات ! طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم ، وعدوكم في بدر وأخواتها ، جرعكم رنقا ، وسقاكم علقا ، وأذل رقابكم ، وأشرقكم بريقكم ، فلستم بملومين على بغضه . وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا ، لطاعتكم طواغيتكم ، وانضوائكم إلى شياطينكم ، فعند الله أحتسب ما مضى وما ينتظر من سوء دعتكم ، وحيف حكمكم . ثم قال : يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله ، صائب

--> ( 1 ) القعضبية : الأسنة ، منسوبة إلى قعضب اسم رجل كان يعمل الأسنة في الجاهلية . ( 2 ) المشاش في الأصل : رؤوس العظام .