ابن أبي الحديد

207

شرح نهج البلاغة

ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه ، وسمى ذلك قضما ومقضما وإن كان مما لا يقضم لاحتقاره له ، وازدرائه إياه ، وأنه عنده ليس مما يستحق أن يسمى بأسماء المرغوب فيه ، المتنافس عليه ، وذلك لان القضم يطلق على معنيين : أحدهما على أكل الشئ اليابس ، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم ، وكلاهما يدلان على أن ذلك المقضم المرغوب عنه ، لا فيه . ثم ذكر ع حال نفسه فقال : ( إن إمامكم قد قنع من الدنيا بطمريه ) ، والطمر الثوب الخلق البالي ، وإنما جعلهما اثنين لأنهما إزار ورداء لا بد منهما ، أي للجسد والرأس . قال : ( ومن طعمه بقرصيه ) ) ، أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما . وروى : ( قد اكتفى من الدنيا بطمريه ، وسد فورة جوعه بقرصيه ، لا يطعم الفلذة في حوليه إلا في يوم أضحيه ) . ثم قال : إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه ، ولكني أسألكم أن تعينوني بالورع والاجتهاد . ثم أقسم أنه ما كنز ذهبا ، ولا أدخر مالا ، ولا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه ، فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التي ينزعونها ، ولا حاز من أرضها شبرا ، والضمير في ( أرضها ) يرجع إلى ( دنياكم ) ، ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة ، وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها . ثم قال : ( ولهي في عيني أهون من عفصة مقرة ) ، أي مرة ، مقر الشئ بالكسر أي صار مرا ، وأمقره بالهمز أيضا قال لبيد : ممقر مر على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل ( 1 )

--> ( 1 ) ديوانه 197 .