ابن أبي الحديد

197

شرح نهج البلاغة

وتدهن كل يوم ، فما عليك لو صمت أياما ، وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا ، وأكلت طعامك مرارا قفارا ، فإن ذلك شعار الصالحين ! أفتطمع وأنت متمرغ في النعيم ، تستأثر به على الجار والمسكين والضعيف والفقير والأرملة واليتيم ، أن يحسب لك أجر المتصدقين ! وأخبرني أنك تتكلم بكلام الأبرار ، وتعمل عمل الخاطئين ، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت ، وعملك أحبطت ، فتب إلى ربك يصلح لك عملك ، واقتصد في أمرك وقدم إلى ربك الفضل ليوم حاجتك ، وأدهن غبا ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( ادهنوا غبا ولا تدهنوا رفها ) ( 1 ) . فكتب إليه زياد : أما بعد يا أمير المؤمنين ، فإن سعدا قدم على فأساء القول والعمل ، فانتهرته وزجرته ، وكان أهلا لأكثر من ذلك . وأما ما ذكرت من الاسراف واتخاذ الألوان من الطعام والنعم ، فإن كان صادقا فأثابه الله ثواب الصالحين ، وأن كان كاذبا فوقاه الله أشد عقوبة الكاذبين . وأما قوله : ( إني أصف العدل وأخالفه إلى غيره ) ، فإني إذن من الأخسرين . فخذ يا أمير المؤمنين بمقال قلته في مقام قمته ، الدعوى بلا بينه ، كالسهم بلا نصل ، فإن أتاك بشاهدي ، عدل ، وإلا تبين لك كذبه وظلمه . * * * ومن كلام زياد : تأخير جزاء المحسن لؤم ، وتعجيل عقوبة المسئ طيش . وكتب إليه معاوية : أما بعد ، فاعزل حريث بن جابر عن العمل ، فإني لا أذكر مقاماته بصفين إلا كانت حزازة في صدري ، فكتب إليه زياد أما بعد ، فخفض عليك يا أمير المؤمنين ، فإن حريثا قد سبق شرفا لا يرفعه معه عمل ، ولا يضعه معه عزل .

--> ( 1 ) الرفه والإرفاه : كثرة التدهن والتنعم .