ابن أبي الحديد

179

شرح نهج البلاغة

قلت : لان جهة ( فوق ) جهة نزول الرحمة ، ومستقر الملائكة ، ومكان العرش ، والأنوار الشريفة ، ولا سبيل له إليها ، وأما من جهة ( تحت ) فلان الاتيان منها يوحش ، وينفر عنه ، لأنها الجهة المعروفة بالشياطين ، فعدل عنها إلى ما هو أدعى إلى قبول وساوسه وأضاليله . وقد فسر قوم المعنى الأول فقالوا : ( من بين أيديهم ) ، من جهة الدنيا ، و ( من خلفهم ) . من جهة الآخرة ، و ( عن أيمانهم ) ، الحسنات ، و ( عن شمائلهم ) ، أي يحثهم على طلب الدنيا ، ويؤيسهم من الآخرة ، ويثبطهم عن الحسنات ، ويغريهم بالسيئات . قوله : ( ليقتحم غفلته ) أي ليلج ويهجم عليه وهو غافل ، جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغرة نفسها لما كانت غالبه عليه . يستلب غرته ، ليس المعنى باستلابه الغرة أن يرفعها ويأخذها لأنه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقدا للغفلة والغرة وكان لبيبا فطنا ، فلا يبقى له سبيل عليه وإنما المعنى بقوله : ( ويستلب غرته ) ما يعنيه الناس بقولهم : أخذ فلان غفلتي وفعل كذا . ومعنى أخذها هنا أخذ ما يستدل به على غفلتي . وفلتة : أمر وقع من غير تثبت ولا رويه . ونزغة : كلمة فاسدة ، من نزغات الشيطان ، أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها مكلفين ، ولا يثبت بها نسب ، ولا يستحق بها إرث لان المقر بالزنا لا يلحقه النسب ، ولا يرثه المولود ، لقوله صلى الله عليه وآله : ( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ) . * * * ( نسب زياد بن أبيه وذكر بعض أخباره وكتبه وخطبه ) فأما زياد فهو زياد بن عبيد ، ومن الناس من يقول : عبيد بن فلان ، وينسبه إلى