ابن أبي الحديد

162

شرح نهج البلاغة

أما قوله : ( يشين الكريم بمجلسه ، ويسفه الحليم بخلطته ) : فالامر كذلك ، فإنه لم يكن في مجلسه إلا شتم بني هاشم وقذفهم ، والتعرض بذكر الاسلام ، والطعن عليه ، وإن أظهر الانتماء إليه . وأما طلب عمرو فضله واتباعه أثره اتباع الكلب للأسد فظاهر ، ولم يقل : الثعلب ، غضا من قدر عمرو ، وتشبيها له بما هو أبلغ في الإهانة والاستخفاف . ثم قال : ( ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت ) ، أي لو قعدت عن نصره ولم تشخص إليه ممالئا به على الحق لوصل إليك من بيت المال قدر كفايتك . ولقائل أن يقول : إن عمرا ما كان يطلب قدر الكفاية وعلي عليه السلام ما كان يعطيه إلا حقه فقط ، ولا يعطيه بلدا ولا طرفا من الأطراف ، والذي كان يطلب ملك مصر ، لأنه فتحها أيام عمر ووليها برهة ، وكانت حسرة في قلبه ، وحزازة في صدره ، فباع آخرته بها ، فالأولى أن يقال : معناه لو أخذت بالحق أدركت ما طلبت من الآخرة . فإن قلت : إن عمرا لم يكن علي عليه السلام يعتقد أنه من أهل الآخرة فكيف يقول له هذا الكلام ؟ قلت : لا خلل ولا زلل في كلامه عليه السلام ، لأنه لو أخذ بالحق لكان معتقدا كون علي عليه السلام على الحق باعتقاده صحه نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وصحة التوحيد ، فيصير تقدير الكلام : لو بايعتني معتقدا للزوم بيعتي لك لكنت في ضمن ذلك طالبا الثواب ، فكنت تدركه في الآخرة . ثم قال مهددا لهما ، ومتوعدا إياهما : ( إن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان ) ، وأقول لو ظفر بهما لما كان في غالب ظني يقتلهما ، إنه كان حليما كريما ، ولكن كان يحبسهما ليحسم بحبسهما مادة فسادهما .