ابن أبي الحديد
151
شرح نهج البلاغة
وقال الراوندي : هذه القصة وهذا الهارب جريضا وبعد لأي ما نجا ، هو معاوية ، قال : وقد قيل : إن معاوية بعث أمويا فهرب على هذه الحال والأول أصح ، وهذا عجيب مضحك وددت له ألا يكون شرح هذا الكتاب ! قوله : ( فدع عنك قريشا ) إلى قوله : ( على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله ) ، هذا الكلام حق ، فإن قريشا اجتمعت على حربه منذ يوم بويع بغضا له وحسدا وحقدا عليه ، فأصفقوا كلهم يدا واحدة على شقاقه وحربه ، كما كانت حالهم في ابتداء الاسلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، لم تخرم حاله من حاله أبدا إلا أن ذاك عصمه الله من القتل ، فمات موتا طبيعيا ، هذا اغتاله إنسان فقتله . قوله : ( فجزت قريشا عنى الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي ) ، هذه كلمة تجرى مجرى المثل ، تقول لمن يسئ إليك وتدعو عليه : جزتك عنى الجوازي ! يقال جزاه الله بما صنع ، وجازاه الله بما صنع ! ومصدر الأول جزاء ، والثاني مجازاة ، وأصل الكلمة أن الجوازي جمع جازيه كالجواري جمع جارية ، فكأنه يقول : جزت قريشا عنى بما صنعت لي كل خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أو جائحة ، أي جعل الله هذه الدواهي كلها جزاء قريش بما صنعت بي ، وسلطان ابن أمي ، يعنى به الخلافة ، وابن أمه هو رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم ، أم عبد الله وأبى طالب ، ولم يقل سلطان ابن أبي ، لان غير أبى طالب من الأعمام يشركه في النسب إلى عبد المطلب . قال الراوندي : الجوازي : جمع جازية ، وهي النفس التي تجزى ، أي جزاهم وفعل بهم ما يستحقون عساكر لأجلي وفي نيابتي ، وكافأهم سرية تنهض إليهم ، وهذا إشارة إلى بنى أمية يهلكون من بعده . وهذا تفسير غريب طريف .