ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
فإذا غنيت فلا تكن بطرا * وإذا افتقرت فته على الدهر . ومنها قوله : " إنما لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك " ، هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله : " يا بن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت " . وقال أبو العتاهية : ليس للمتعب المكادح من دنياه * إلا الرغيف والطمران ( 1 ) . ومنها قوله : " وإن كنت جازعا على ما تفلت من يديك ، فاجزع على كل ما لم يصل إليك " ، يقول : لا ينبغي أن تجزع على ما ذهب من مالك ، كما لا ينبغي أن تجزع على ما فاتك من المنافع والمكاسب ، فإنه لا فرق بينهما ، إلا أن هذا حصل ، ذاك لم يحصل بعد ، وهذا فرق غير مؤثر ، لان الذي تظن أنه حاصل لك غير حاصل في الحقيقة ، وإنما الحاصل على الحقيقة ما أكلته ولبسته ، وأما القنيات والمدخرات فلعلها ليست لك ، كما قال الشاعر : وذي إبل يسقى ويحسبها له أخي تعب في رعيها ودؤوب غدت وغدا رب سواه يسوقها وبدل أحجارا وجال قليب . ومنها قوله : ( استدل على ما لم يكن بما كان ، فإن للأمور أشباها ) يقال : إذا شئت أن تنظر للدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك . وقال أبو الطيب في سيف الدولة : ذكى تظنيه ، طليعة عينه يرى قلبه في يومه ما يرى غدا ( 2 ) ومنها قوله : ( ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة . . . ) إلى قوله : ( إلا بالضرب ) هو قول الشاعر :
--> ( 1 ) الطمران : تثنية طمر ، وهو الثوب الخالق البالي . ( 2 ) ديوان 1 : 282 ، والتظني : التظنين ، والطليعة : الذي يطلع القوم على العدو